قلم على عقد موقّع

يحرص كثير من أطراف العقود التجارية على إدراج شرط التحكيم ضمن بنود العقد، باعتباره وسيلة لتسوية ما قد ينشأ بينهم من منازعات بعيدًا عن ساحات القضاء العادي. لكن هذا الشرط كثيرًا ما يُكتب في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع، أو يُنقل من عقد آخر دون مراجعة، فلا تظهر عيوبه إلا عند وقوع النزاع، حين يكون تعديله قد أصبح صعبًا أو مستحيلًا.

في هذا المقال نوضح أهم المسائل التي ينبغي الانتباه إليها عند صياغة شرط التحكيم، حتى يؤدي الغرض المقصود منه.

ما هو شرط التحكيم؟

شرط التحكيم هو اتفاق بين أطراف العقد على أن تُحال المنازعات التي قد تنشأ بينهم بشأن هذا العقد إلى هيئة تحكيم تفصل فيها، بدلًا من عرضها على المحاكم. وقد يأتي الاتفاق على التحكيم في صورة بند داخل العقد قبل نشوء النزاع، أو في صورة اتفاق مستقل يُبرم بعد نشوئه.

ويتميز التحكيم بعدة مزايا، منها: خصوصية الإجراءات، وإمكانية اختيار محكمين من ذوي الخبرة في موضوع النزاع، ومرونة الإجراءات التي يمكن للأطراف الاتفاق عليها. لكن هذه المزايا لا تتحقق تلقائيًا، بل تعتمد إلى حد كبير على جودة صياغة الشرط.

لماذا تهم الصياغة الدقيقة؟

الشرط الغامض أو الناقص قد يفتح الباب لنزاع إضافي حول الشرط نفسه: هل يشمل هذا الخلاف أم لا؟ من يختار المحكمين؟ وأين تُعقد الجلسات؟ وبأي لغة؟ وقد ينتهي الأمر إلى إطالة أمد النزاع بدلًا من اختصاره، أو إلى التشكيك في صحة الإجراءات أو في الحكم الصادر.

ولهذا فإن الدقيقة التي تُنفق في صياغة الشرط بعناية عند التعاقد قد توفر شهورًا من الخلاف لاحقًا.

عناصر أساسية في شرط التحكيم

نطاق الشرط

حدد بوضوح المنازعات التي يشملها الشرط. والصياغة الواسعة التي تشمل كل نزاع ينشأ عن العقد أو يتعلق به أو بتنفيذه أو تفسيره أو إنهائه تقلل من احتمالات الخلاف حول ما إذا كانت مسألة معينة داخلة في نطاق التحكيم أم لا.

التحكيم المؤسسي أم الحر

يمكن للأطراف أن يختاروا إدارة التحكيم من خلال مركز تحكيم له قواعده الإجرائية المعتمدة، أو أن يتفقوا على تحكيم حر يتولون فيه بأنفسهم تنظيم الإجراءات. ولكل خيار اعتباراته من حيث التكلفة والتنظيم والسرعة، ويحسن أن يُذكر الاختيار صراحة في الشرط.

عدد المحكمين وطريقة اختيارهم

حدد ما إذا كانت الهيئة ستتكون من محكم واحد أو من ثلاثة محكمين، وكيف سيتم تعيينهم، وماذا يحدث إذا امتنع أحد الأطراف عن تعيين محكمه. فغياب هذه التفاصيل قد يعطّل بدء التحكيم.

مكان التحكيم

لمكان التحكيم أهمية قانونية تتجاوز مجرد مكان انعقاد الجلسات، إذ قد يرتبط به تحديد القانون الإجرائي المنطبق والجهة المختصة بنظر بعض المسائل المتعلقة بالتحكيم والحكم الصادر فيه. ولذلك ينبغي اختياره بعناية.

لغة التحكيم

في العقود بين أطراف من دول مختلفة، يجنّب تحديد لغة التحكيم خلافًا مبكرًا، ويؤثر في اختيار المحكمين وتكاليف الترجمة.

القانون الواجب التطبيق

من المفيد التمييز بين القانون الذي يحكم موضوع العقد، والقواعد التي تحكم إجراءات التحكيم. والنص الصريح على كل منهما يمنع الاجتهادات المتعارضة.

أخطاء شائعة في شروط التحكيم

  • الشرط المتناقض: كأن ينص العقد على التحكيم في بند، وعلى اختصاص محكمة معينة في بند آخر دون توضيح العلاقة بينهما.
  • الإحالة إلى جهة غير محددة بدقة: كذكر اسم مركز تحكيم بصورة غير صحيحة أو غير موجودة.
  • إغفال آلية تعيين المحكمين عند عدم اتفاق الأطراف.
  • النقل الحرفي من عقد آخر دون مراعاة اختلاف طبيعة المعاملة أو أطرافها.
  • عدم مراعاة العقود المرتبطة: كوجود عدة عقود في معاملة واحدة لكل منها وسيلة مختلفة لتسوية النزاع، مما قد يؤدي إلى تعدد الإجراءات.

متى يكون التحكيم مناسبًا؟

التحكيم ليس الخيار الأفضل في كل الأحوال. فهو غالبًا ما يكون مناسبًا للمعاملات التجارية ذات القيمة المعتبرة، أو التي تتطلب خبرة فنية متخصصة، أو التي يحرص أطرافها على السرية، أو التي تكون أطرافها من دول مختلفة. أما في النزاعات البسيطة أو محدودة القيمة، فقد تكون تكلفته غير متناسبة مع قيمة النزاع.

ولذلك فإن قرار إدراج شرط التحكيم ينبغي أن يُتخذ بعد دراسة طبيعة المعاملة وأطرافها والمخاطر المتوقعة فيها، لا بشكل تلقائي.

مراجعة الشرط قبل التوقيع

قبل التوقيع على أي عقد يتضمن شرط تحكيم، اسأل نفسك:

  • هل يغطي الشرط كل أنواع النزاعات المحتملة؟
  • هل الجهة أو القواعد المختارة واضحة ومحددة؟
  • هل طريقة تعيين المحكمين واضحة، وماذا يحدث عند الخلاف عليها؟
  • هل مكان التحكيم ولغته والقانون الواجب التطبيق محددة؟
  • هل الشرط متسق مع باقي بنود العقد ومع العقود المرتبطة به؟

كيف يمكننا مساعدتك؟

نقدم في مؤسسة أبو حسين المشورة بشأن اتفاقات وشروط التحكيم، ونتولى صياغتها ومراجعتها، ونمثل العملاء في المنازعات التحكيمية. ويمكنك التعرف أكثر على خدماتنا في التحكيم.

خاتمة

شرط التحكيم الجيد يبدو بسيطًا على الورق، لكنه نتاج تفكير مسبق في سيناريوهات النزاع المحتملة. والاستثمار في صياغته بعناية عند التعاقد هو أحد أفضل أشكال الوقاية القانونية. وإذا كنت بصدد إبرام عقد أو مراجعة شرط تحكيم قائم، يمكنك طلب استشارة من فريقنا.

اطلب استشارة